الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
218
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فهي ثالث الأغراض من بيان مختلف أنواع تلك الأحوال ، وقد ابتدأت ب إِذا كما ابتدئ الغرضان السابقان ب إِذا إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ [ المنافقون : 1 ] . و إِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ [ المنافقون : 4 ] . والقائل لهم ذلك يحتمل أن يكون بعض المسلمين وعظوهم ونصحوهم ، ويحتمل أنه بعض منهم اهتدى وأراد الإنابة . قيل المقول له هو عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول على نحو ما تقدم من الوجوه في ذكر المنافقين بصيغة الجمع عند قوله : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ [ المنافقون : 1 ] وما بعده . والمعنى : اذهبوا إلى رسول اللّه وسلوه الاستغفار لكم . وهذا بدل دلالة اقتضاء على أن المراد توبوا من النفاق وأخلصوا الإيمان وسلوا رسول اللّه ليستغفر لكم ما فرط منكم ، فكان الذي قال لهم ذلك مطّلعا على نفاقهم وهذا كقوله تعالى في سورة البقرة [ 13 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ . وليس المراد من الاستغفار الصفح عن قول عبد اللّه بن أبيّ « لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ » . لأن ابن أبيّ ذهب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وتبرأ من أن يكون قال ذلك ولأنه لا يلتئم مع قوله تعالى : لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [ المنافقون : 6 ] . وليّ الرؤوس : إمالتها إلى جانب غير وجاه المتكلم . إعراضا عن كلامه ، أي أبوا أن يستغفروا لأنهم ثابتون على النفاق ، أو لأنهم غير راجعين فيما قالوه من كلام بذيء في جانب المسلمين ، أو لئلا يلزموا بالاعتراف بما نسب إليهم من النفاق . وقرأ الجمهور لَوَّوْا بتشديد الواو الأولى مضاعف لوى للدلالة على الكثرة فيقتضي كثرة اللي منهم ، أي لوى جمع كثير منهم رؤوسهم ، وقرأه نافع وروح عن يعقوب بتخفيف الواو الأولى اكتفاء بإسناد الفعل إلى ضمير الجماعة . والخطاب في وَرَأَيْتَهُمْ لغير معيّن ، أي ورأيتهم يا من يراهم حينئذ . وجملة وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ في موضع الحال من ضمير يصدون ، أي يصدون صدّ المتكبر عن طلب الاستغفار . [ 6 ] [ سورة المنافقون ( 63 ) : آية 6 ] سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 6 )